الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
12
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عن العمل ) ، ويجدد النية فإن هذا غير مؤاخذ به إن شاء اللّه ا ه . وذكر قبل ذلك عن مالك أنه رأى رجلا من أهل مصر يسأل عن ذلك ربيعة . وذكر أن ربيعة أنكر ذلك . قال مالك : فقلت له ما ترى في التهجير إلى المسجد قبل الظهر ؟ قال : ما زال الصالحون يهجرون . وفي « جامع المعيار » : سئل مالك عن الرجل يذهب إلى الغزو ومعه فضل مال ليصيب به من فضل الغنيمة ( أي ليشتري من الناس ما صحّ لهم من الغنيمة ) فأجاب لا بأس به ونزع بآية التجارة في الحج قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [ البقرة : 198 ] وأن ذلك غير مانع ولا قادح في صحة العبادة إذا كان قصده بالعبادة وجه اللّه ولا يعد هذا تشريكا في العبادة لأن اللّه هو الذي أباح ذلك ورفع الحرج عن فاعله مع أنه قال : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] فدلّ أن هذا التشريك ليس بداخل بلفظه ولا بمعناه تحت آية الكهف ا ه . وأقول : إن القصد إلى العبادة ليتقرب إلى اللّه فيسأله ما فيه صلاحه في الدنيا أيضا لا ضير فيه ، لأن تلك العبادة جعلت وسيلة للدعاء ونحوه وكل ذلك تقرب إلى اللّه تعالى وقد شرعت صلوات لكشف الضرّ وقضاء الحوائج مثل صلاة الاستخارة وصلاة الضرّ والحاجة ، ومن المغتفر أيضا أن يقصد العامل من عمله أن يدعو له المسلمون ويذكروه بخير . وفي هذا المعنى قال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه حين خروجه إلى غزوة مؤتة ودعا له المسلمون حين ودّعوه ولمن معه بأن يردّهم اللّه سالمين : لكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرع يقذف الزبدا أو طعنة من يدي حرّان مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على حدثي * أرشدك اللّه من غاز وقد رشدا وقد علمت من تقييدنا الحظ بأنه حظ دنيوي أن رجاء الثواب واتقاء العقاب هو داخل في معنى الإخلاص لأنه راجع إلى التقرب لرضى اللّه تعالى . وينبغي أن تعلم أن فضيلة الإخلاص في العبادة هي قضية أخصّ من قضية صحة العبادة وإجزائها في ذاتها إذ قد تعرو العبادة عن فضيلة الإخلاص وهي مع ذلك صحيحة مجزئة ، فللإخلاص أثر في تحصيل ثواب العمل وزيادته ولا علاقة له بصحة العمل . وفي « مفاتيح الغيب » : وأما الإخلاص فهو أن يكون الداعي إلى الإتيان بالفعل أو الترك مجرد الانقياد فإن حصل معه داع آخر ؛ فإمّا أن يكون جانب الداعي إلى الانقياد راجحا على جانب الداعي المغاير ، أو معادلا له ، أو مرجوحا . وأجمعوا على أن المعادل والمرجوح ساقط ، وأمّا إذا كان الداعي إلى الطاعة